النويري

343

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال أبو جعفر الطبري [ 1 ] رحمه اللَّه : وكان زياد كتب إلى معاوية : « إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ، ويمينى فارغة ، فاشغلها بالحجاز » . ففعل . فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب ! فذكروا ذلك له ، فقال : ادعوا اللَّه عليه يكفيكموه . فاستقبل القبلة واستقبلوها ، فدعوا ودعا ، وكان من دعائه أن قال : اللهم اكفنا يمين زياد ! فخرجت طاعونة على إصبع يمينه ، فمات منها فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضي فقال : قد حدث بي ما ترى ، وقد أمرت بقطعها فأشر على . فقال شريح : إني أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى اللَّه أجذم ، وقد قطعت يدك كراهية لقائه ، أو أن يكون في الأجل تأخير ، فتعيش أجذم ويعيّر ولدك » فقال : لا أبيت والطاعون في سجاف [ 2 ] واحد [ 3 ] ، وخرج شريح من عنده فسأله الناس ، فأخبرهم فلاموه ، وقالوا : هلا أشرت بقطها ؟ فقال : « المستشار مؤتمن [ 4 ] » . وقيل أراد زياد قطعها ، فلمّا رأى النار والمكاوى جزع وتركها وقيل : تركها لما أشار عليه شريح . ولمّا حضرته الوفاة قال له ابنه : هلَّا هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها ، فقال : يا بنّى قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه أو سلب سريع !

--> [ 1 ] في تاريخه ج 4 ص 214 . [ 2 ] كذا جاء في النسخة ( ك ) ، والسجاف : السر ، وجاء في النسخة ( ن ) « في لحاف » كما عند الطبري ج 4 ص 215 . وابن الأثير ج 3 ص 245 . [ 3 ] جاء في رواية ابن جرير الطبري : « فعزم أن يفعل ، فلما نظر إلى النار والمكاوى جزع وترك ذلك » . وانظر ما سيأتي قريبا . [ 4 ] « المستشار مؤتمن » حديث رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وعبارة ابن جرير هنا : « فقال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : المستشار مؤتمن » .